فكرة الأوعية العلمية: الأوعية العلمية تنضج عقل طالب العلم، وتحفظ له العلم، وتجعل نسيانه أقل، ومن أتقنها تعب قليلًا وجنى كثيرًا، ومن أهملها أو لم يكن عالمًا بها تعب كثيرًا وحصَّل قليلًا، وأبين المراد بها من خلال المثال الآتي: تصور معي بيتًا من أربعة طوابق، ليس فيه إلا مجرد الأعمدة والأسقف، كأنه هيكل عظمي، من خلاله تستطيع البدء ببناء أي طابق، بل لو أردت تشطيب بناء غرفة بعينها لفعلت، وكذلك تتعامل مع المعلومات، فتنظمها في عقلك على شكل مفاهيم وأفكار وتصورات، وكل معلومة تبلغك فإنها تضعها في وعائها المناسب.. فلو اتخذت فكرة تدور مثلًا حول دِقَّة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لعقليه أعدائه، واتخاذه القرارات بناء على ذلك.. فإنك عندما تمر بأي موقف يصلح شاهدًا أو خادمًا لهذه الفكرة فإنك تضعه في وعائه، سواء كان معنى تأصيليًّا أو إداريًّا أو تربويًّا، أو غير ذلك. ولو كوَّنت خلال سنة مائة وعاء تتمثل في مائة مفهوم أو فكرة، سواء كان ذلك في العلوم الشرعية أو غيرها؛ كعلم النفس والاجتماع والإدارة والاقتصاد، فإنك كلما سمعت محاضرةً، أو خطبةً، أو قرأت كتابًا فإنك تجد نفسك تُدرج كل معلومة في وعائها المناسب مباشرة، وقد تصلح الفكرة التي بدأت ضامرة من سنوات إلى أن تخرج في محاضرة أو خطبة قيمة، أو مقالة قوية، أو حتى في كتابٍ يُنشر. ومن ثمرات هذه الطريقة أن علمك يكون مرتبًا، وكلما احتجت التنظير لفكرة، أو الكلام في قضية استحضرت ما في الوعاء من أقوال ومفاهيم ومعلومات، وشعرت حينها أن العلم لا يضيع كما يقولون. ومن ثمراتها أيضًا: أنك لا تمل من قراءة الكتب الطويلة، أو سماع المحاضرات الطويلة؛ لأن العقل يكون مستمتعًا بنقل كل معلومةٍ في وعائها المناسب مباشرة دون أن يتعنى. وأُذَكِّر بما تقدم في أول الكلام أن هذه الطريقة تختصر فترة التأصيل في حياة الطالب، ولا عجب حينئذٍ أن تجد طالبًا لم يمض عليه في زمن الطلب إلا سنتان لكنه أرسخ علمًا ممن له عشر سنين. ومما ييسر ذلك أن تخصص دفترًا لهذه المفاهيم، وكلما هديت إلى فكرة أو مفهوم افتتحت الكتابة فيه، وكلما مر بك شاهدٌ دونته مباشرة، فتصبح المعارف كالطفل ينمو يومًا بعد يوم، حتى يكتمل على سوقه، ويحصل النفع به. والله الموفق. وكتبه: محمد بن محمد الأسطل.
مقال
فكرة الأوعية العلمية: الأوعية العلمية تنضج عقل طالب العلم، وتحفظ له العلم، وتجعل...
04 March 2026
0 مشاهدة
فكرة الأوعية العلمية: الأوعية العلمية تنضج عقل طالب العلم، وتحفظ له العلم، وتجعل نسيانه أقل، ومن أتقنها تعب قليلًا وجنى كثيرًا، ومن أهملها أو لم يكن عالمًا بها تعب كثيرًا وحصَّل قليلًا، وأبين المراد ب...