الأحد 2026/04/12 م
مقال

تابه، فإذا رأى في قلبك الانكسار له مرة بعد مرة أكرمك بذلك. ولما عدت للحديث المذك...

04 March 2026 0 مشاهدة
تابه، فإذا رأى في قلبك الانكسار له مرة بعد مرة أكرمك بذلك. ولما عدت للحديث المذكور وجدت الإمامَ البخاريَّ يُبَوِّبُ له ولِمَا قاربه في المعنى فيقول: "باب استذكار القرآن وتعاهده"، وبوَّب الإمام مسلم له...
تابه، فإذا رأى في قلبك الانكسار له مرة بعد مرة أكرمك بذلك. ولما عدت للحديث المذكور وجدت الإمامَ البخاريَّ يُبَوِّبُ له ولِمَا قاربه في المعنى فيقول: "باب استذكار القرآن وتعاهده"، وبوَّب الإمام مسلم له بقوله: "باب الأمر بتعهد القرآن"، فهذا هو الحل، وهذا هو الطريق، ومن اتبع الطرق السريعة كَسَرَتْهُ الأيام، وسيجبر على الرجوع لجادة الطريق ولو طال الزمان، وأنا هنا لست بضائقٍ ذرعًا إن همَّشَ الطالب ما أنظِّر له؛ لأنه إن كان حريصًا بالغ الحرص على الحفظ والضبط فإنه سيعود إليه أو لما يشبهه بعد أن تطحنه تجارب الأيام والأعوام. وقد بقي أن أشير لحفظ الشناقطة، هذه الكُتلة البشرية التي حيَّرت الدنيا في الحفظ، حتى بات أحدنا كلما أراد أن يُهَيِّجَ الهمَّةَ في نفسه فتح الانترنت وطالع الكتابات والمقاطع التي تتحدث عن حفظهم.. فإني لما سافرت إلى شنقيط للطلب عدة أشهر كنت حريصًا على التوثق من قضية الحفظ التي اشتهروا بها، وأرى بنفسي كم يحفظون؟ وكيف يحفظون؟ وهل لهؤلاء الناس طبيعة خاصة جعلتهم يتفوقون في ذلك على أهل زمانهم؟. وبالفعل لما التزمت بالدراسة في مركز تكوين العلماء جالست جملةً من طلاب المركز ومشايخه بخصوص هذا الموضوع، وزرت أحد المُحفِّظين في إحدى المحاظر القرآنية، حتى إن أحد المشايخ زارني في بيتي، وهو ممن له حفظٌ عجيب، وبقي نحوًا من ساعتين يحدثني عن الحفظ وفلسفته وطرائقه في بلادهم، ويمكن ردُّ ما قالوا من قوة الحفظ إلى عاملين: الأول: الطبيعة الصحراوية وكثرة التنقل، فإن الطبيعة الصحراوية منحتهم صفاءً ذهنيًّا بعض الشيء، وكثرة التنقل حملتهم على اعتماد الحفظ أصلًا؛ لفوات الكتب وضياعها، وهذا جعلهم يكثرون من كتابة الطُّرَر، وهي أشبه بحواشٍ مركزة جدًّا على المتن المراد ضبطه، لكنها عميقةٌ جدًّا، بحيث من حفظها أمكنه الاستغناء عن المطولات. والآخر: أن لديهم طولَ نفس في التكرار، فلا يحبون العجلة ولا صبر لهم على التعامل مع المتعجلين، فإذا حفظ الواحدُ منهم الصفحةَ أو المقطع من المتن النثري، أو البيت من المتن الشعري كرره مائة وعشرين مرة تقريبًا، وربما نزل بعضهم إلى المائة أو الثمانين أو الستين، وربما صعد إلى المائتين وزيادة، حتى قال لي هذا الشيخ: -وهو يحفظ بالمناسبة فيما أعلم خمسة وعشرين ألف بيتٍ من الشعر- كنت أكرر المحفوظ 400 مرة، ثم سئمت فاكتفيت بتكرار 200 مرة!، وقد جمع الله له مع ذلك حسن الفهم لما يقرأ ويحفظ. لكن هذا الحفظ لا يحتاجون معه إلى النظر في المتن من جديد، فيصبح الشخص مكتبةً متحركةً بكل دلالات الكلمة، ولولا ضيق المقام هنا لاستطردت في بيان ذلك، وذكر النماذج التي التقيت بها هناك. والحاصل أن التكرار عندهم يدور في الجملة حول المائة مرة، وهذا العدد لا يُشترط أن يكون مطَّردًا بين عامة الطلاب وفي كافة المتون؛ بل قد يختلف ذلك بحسب حفظ الطالب، وسهولة المتن وصعوبته، واختلافه بين نثرٍ ونظم، ونشاط الطالب وكسله، وانشغاله وتفرغه، لكن العدد 100 هو الأغلب من الأمر، فضبط الحفظ عندهم بذلك يُعَدُّ تجربةً بشريًّةً عادية، قابلة للتطبيق والنجاح. وسبحان الله! كم تشعر بانشراح الصدر وأنت ترى كثيرًا من الطلبة هناك يستيقظون في السَّحَر فيصلون ويحفظون ويبقون كذلك حتى شروق الشمس، وفي المساء هناك وقت للحفظ من جديد، وتسميع للمشايخ، في جوٍّ علميٍّ ترجو به رحمة الله، وتتأمل خيرًا في هذه الطلائع الشبابية التي تضع لها قدم صدق في العلم والحفظ والتعبد ورضوان الله جل وعلا، وترجو أن يعمها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لَا يَزَالُ اللَّهُ يَغْرِسُ فِي هَذَا الدِّينِ غَرْسًا يَسْتَعْمِلُهُمْ فِي طَاعَتِهِ" أخرجه ابن ماجه وحسنه الألباني. ثالثًا: الوسائل المعينة على حسن الحفظ: هناك جملة من الوسائل من أهمها الستة الآتية: 1) اختيار الطريقة الصحيحة، وهي التي نظَّرنا لها، وسأتكلم عن تفصيلٍ مقترحٍ لها في المحور الآتي إن شاء الله. 2) اختيار الوقت المناسب للحفظ، وحبذا لو كان بعد الفجر أو قبله لمن استطاع، وكذلك بعد العصر، لا سيما لمن نال حظًّا من القيلولة؛ فإنَّ الحفظ بعد اليقظة من النوم يوافق صفاءً ذهنيًّا لا يجده من انغمس في الأعمال اليومية. 3) اختيار المكان المناسب، وحبذا لو كان قليل المشتتات، فالحفظ في المسجد أفضل من الحفظ في بستان مليء بالأشجار والأزهار مثلًا. 4) التفرغ من الشواغل؛ ليصفوا الذهن لك. 5) تناول السكريات لمن استطاع؛ لأن المكلف بالحفظ هو العقل، وهو يتغذى على السكريات، من مثل التمر والزبيب، واحتسب المال الذي تنفقه في ذلك في سبيل الله، وأنه من المعين على التعبد والحفظ. 6) ألا تكون شديد الجوع ولا شديد الشبع، بل في حالة متوسطة؛ إذ لا يجتمع بطنٌ وعقل معًا، فأفضل الأوقات ما كنت فيه خالي الذهن خالي البطن، ولهذا حبَّذا لو تأخر الإفطار لما بعد الحفظ. رابعًا: قانون الحفظ: هنا أتكلم عن قانون الحفظ، أما الإجراءات التنفيذية فتترك لطبيعة الحال، ما بين حلقة تحفيظ أو ديوان حفظة أو مخي

التعليقات (0)

يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!