حفظ بالأمس قبل أن يحفظ نصيب اليوم، وأفاد الأخ إسماعيل الأغا أن الطريقة التراكمية في المراجعة ذات أثر حسن، وذلك بأن نعتمد الأسبوع وحدةً واحدة، ثم يراجع الطالب في اليوم الثاني ما حفظ في اليوم الأول، وفي اليوم الثالث ما حفظ في الأول والثاني، وهكذا إلى نهاية الأسبوع. وأخيرًا: إن شعر الطالب بأن هذه الطريقة تحتاج لوقت كثيرٍ، وتعب وجهد، فأعظه بقول الله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92]، وأنت هنا لا تحفظ ليوم أو يومين، بل لأسابيع وشهور وسنوات بإذن الله، بل ليبقى الحفظ معك إلى يوم القيامة، لترتقي درجة في الجنة بكل آية تتلوها، كما يبشر بذلك الحديث الذي أخرجه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا". قال الألباني: حسنٌ صحيح. ولا بد أن يستحضر الطالب أنه لولا النسيان لهُجِر العلمُ والقرآن، فالنسيان يحمل صاحبه أن يقبل على التلاوة ليلَ نهارَ، وينفق فيه أنفس ما يملك من الوقت، لكن لو كان يحفظ ولا ينسى فإنه يحفظ ولا يعيد ولا يتلو، فيصبح هاجرًا للكتاب بسبب قوة ضبطه، أما النسيان فكأنه المصيدة التي يُستدرج من خلالها حتى يصبح عابدًا كثير الحسنات جدًّا يعيش مع القرآن صباح مساء بفضل الله عليه، وأخبرني أحد الكرماء أنه ما يعدل بلذة ضبط المصحف وترداده صباح مساء أي لذة غيرها. وإني أشعر أنَّ الحفظ بطريقة الضبط والمراجعة المتكررة هو الأرضى للرب عز وجل، لا سيما وأنَّ الحفظَ عبادة، والمراجعة عبادة، والطالب محتكم لأنظمة هذه العبادة. أما ما يتعلق بطول الوقت في الحفظ، فأقول: ماذا عليك لو طال الوقت من أجل الضبط، وأنت تفعل هذا ديانةً وتعبدًا لله رب العالمين!، فإذا كانت كثرة الحفظ رغبة لك فإن ضبط الحفظ هو رغبة الشريعة فيك، فأن تحقق رغبة الشريعة في أبنائها أولى من رغبتك في نفسك. ثم إن العبودية في الضبط والمراجعة أظهر منها في الحفظ، وذلك أن الحفظ الجديد فيه لذة وشهوة، ولهذا يجد الطالب فيه من الانتعاش ما لا يجد في المراجعة، وحتى على الصعيد الاجتماعي فإن أهله وأصحابه وأرحامه يفرحون إذا علموا بكثرة حفظه أكثر من فرحهم بقوة ضبطه مع قلة محفوظه، ولهذا يعد إدمان النظر وتكرار المراجعة وتحصيل الضبط من علامات الإخلاص عند الطالب الحافظ، وقد امتدح الله هؤلاء بقوله: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ" صححه الألباني. وإني مع ذلك لا أبالغ إن قلت: إن هذه الطريقة البطيئة هي أسرع الطرق؛ لأنك تحفظ مرة واحدة، ثم تنشغل بالتثبيت، دون أن تعيد المراجعة التي هي أشبه بالحفظ من جديد، وكم جالست من طالبٍ بدأ عهده مع الحفظ من نحو عشر سنوات، ثم هو الآن لا يستحضر بإتقان ولو خمسة أجزاء، ولو أنه حفظ في كل عام ثلاثة أجزاء فقط، وبقي يرددها على مدار سنة كاملة.. لوجدته الآن يحفظ القرآن كما يحفظ اسمه. ولهذا أعتقد أن من يتثاقل هذه الطريقة إنما أوتي من جهة التوهم النفسي لا غير، لا سيما أن الصفحة الواحدة لا تحتاج إلا نحوًا من 45 دقيقة، وهو وقتٌ معقولٌ محتمل، وحتى لو أخذت بالعزيمة، وكررت إلى الأربعين لما زاد عن الساعة، خاصة لمن تعود عليه، وكلما زدت في التكرار زدت في الضبط، والله الموفق. وفي آخر المقال أنبه على عدم اشتراط البدء في الحفظ من أول المصحف أو من آخره، بل يحفظ الطالب من أي موضع شاء وسهل عليه، ولا مانع من انتقاء سور للحفظ ولو من مواضع متفرقة من القرآن الكريم، لكن حيث استوى ذلك فأنصح بالبدء من آخر المصحف، وقد كان السلف يعتنون بحفظ المًفصَّل وهو من سورة الحجرات إلى الناس، أو من سورة ق إلى سورة الناس على القول الآخر، فآياته كثيرة فتكون سببًا في كثرة درجات الإنسان في الجنة، وهو منجم ذهبي من جهة وفرة المعاني، والله الموفق. هذا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين ( محمد بن محمد الأسطل )
مقال
حفظ بالأمس قبل أن يحفظ نصيب اليوم، وأفاد الأخ إسماعيل الأغا أن الطريقة التراكمية...
04 March 2026
0 مشاهدة
حفظ بالأمس قبل أن يحفظ نصيب اليوم، وأفاد الأخ إسماعيل الأغا أن الطريقة التراكمية في المراجعة ذات أثر حسن، وذلك بأن نعتمد الأسبوع وحدةً واحدة، ثم يراجع الطالب في اليوم الثاني ما حفظ في اليوم الأول، وفي...